عندما يُطرح سؤال “من هو أخطر بودي جارد في مصر؟”، فإن الإجابة تتجاوز مجرد اسم أو وجه. إنها رحلة عبر تاريخ طويل من الحراسة الشخصية في بلد عرف منذ فجر الحضارة أهمية حماية الفرعون وقادة الدولة. فمصر، التي شهدت ميلاد مهنة “الحارس الشخصي” قبل آلاف السنين، لا تزال تُعَد واحدة من أكثر الدول التي تولي اهتماماً استثنائياً لأمن الشخصيات المهمة. لكن ما الذي يجعل بودي جارد معيناً “أخطر” من غيره؟ هل هو القوة الجسدية الفائقة؟ أم الخبرة القتالية المذهلة؟ أم ربما الاستعداد لفعل أي شيء في سبيل حماية من يكلف بحمايته، حتى لو تجاوز الحدود القانونية والأخلاقية؟
لكشف هذا اللغز، لا بد من تتبع جذور مهنة الحراسة في مصر القديمة، مروراً بلحظات تاريخية فارقة كشفت عن بطولة حراس شخصيين أنقذوا حياة شخصيات مهمة، وصولاً إلى حوادث مثيرة للجدل في العصر الحديث كشفت عن وجه مظلم لهذه المهنة. في هذا المقال، نستعرض أبرز الشخصيات والحوادث التي رسمت صورة “البودي جارد الخطير” في العقلية المصرية، متجاوزين السطحية نحو عمق هذه المهنة المثيرة للجدل.
الجذور التاريخية: عندما كان الكلب حارساً شخصياً للفرعون
قبل أن نتحدث عن حراس اليوم، علينا أن نعود بالزمن إلى الوراء حوالي 4500 عام، وتحديداً إلى عصر الأسرة السادسة في مصر القديمة (حوالي 2600-2450 قبل الميلاد). هنا، في مقبرة صغيرة بالقرب من الهرم الأكبر بالجيزة، عُثر على نقش حجري يروي قصة فريدة من نوعها: قصة كلب كان يُدعى “أبوتييو” (Abuwtiyuw)، والذي لقب بـ “حارس جلالة الملك” .
يقول النقش إن الملك أمر بدفن هذا الكلب دفناً احتفالياً، ومنحه تابوتاً من الخزانة الملكية، وكميات وفيرة من الكتان الفاخر والبخور، وأمر ببناء مقبرة له بأيدي فرق من البنائين، وذلك “لكي يُكرّم الكلب أمام الإله العظيم أنوبيس” . لكن ما القصة وراء هذا التكريم الاستثنائي؟
يشرح عالم الآثار الدكتور جورج ريزنر أن الكلب لم يكن مملوكاً للملك مباشرة، بل لشخص كان ملازماً للفرعون في خدمته، ربما كحارس أو صياد. وخلال الخدمة، كان الكلب يرافق صاحبه، و”على الأرجح، وعادة الكلاب المصرية، كان أبوتييو يهدد بالنباح أو العض كل شخص غريب يقترب من الملك، ولُقب مازحاً أو جدياً بـ ‘حارس جلالته'” . وعندما مات الكلب، أمر الملك بدفنه تكريماً له، ليكون “كا” الكلب (روحه) قادراً على مرافقة الملك في الحياة الآخرة.
هذه القصة ليست مجرد طرافة تاريخية، بل تكشف عن جذور مفهوم “الحارس الشخصي” في مصر، حيث كان الولاء المطلق وحماية الملك يُعتبران من أسمى الفضائل، حتى لو كان المؤدي لهذا الدور كلباً. كما تشير أيضاً إلى أن أخطر حراس الفرعون لم يكونوا بالضرورة الأقوى جسدياً، بل الأكثر إخلاصاً وحضوراً في حياة الملك.
في سياق متصل، تشير بعض الدراسات التاريخية إلى مؤامرات في القصر المصري القديم، تصل إلى حد الادعاء باحتمالية اغتيال الملك تتي على يد حراسه الشخصيين . وهذه الحادثة، وإن كانت محل جدل تاريخي، تبرز حقيقة مهمة: الحارس الشخصي الأقرب إلى من يحميه قد يكون أخطر الناس عليه إذا انقلب ولاؤه.

البودي جارد في العصر الحديث: بين البطولة والجدل
بالانتقال إلى العصر الحديث، نجد أن مهنة الحراسة الشخصية في مصر تحملت أعباءً كبيرة، خاصة في فترات الاضطرابات السياسية. أحد أبرز الأمثلة التي جسدت دور الحارس الشخصي البطولي كانت أثناء اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في 6 أكتوبر 1981.
ففي ذلك اليوم المشؤوم، كان السفير الإسرائيلي في مصر، موشيه ساسون، جالساً خلف الرئيس السادات مباشرةً خلال العرض العسكري. عندما فتح الخلايا الإرهابية النار، كان رد فعل حارس السفير الإسرائيلي سريعاً بشكل مذهل: “أمسكت بالسفير، وألقيت به أرضاً، وقلبت الكرسي فوقه، وغطيته بجسدي” . استمر إطلاق النار لمدة 51 ثانية، وأصابت معظم الرصاصات منطقة السفير الإسرائيلي، لكن الحارس ظل متماسكاً، محمياً موكله بجسده، معتقداً أن هناك انقلاباً عسكرياً قد وقع .
هذا الحارس المجهول، الذي رفض الكشف عن هويته، جسّد المعنى الحقيقي للبودي جارد: الاستعداد للتضحية بالحياة في سبيل من تحميه. وهو نموذج للـ”خطر” الإيجابي، حيث يكون الحارس مصدر تهديد لأعداء من يحميه، ومصدر أمان مطلق لموكله.
لكن مهنة الحراسة الشخصية ليست دائماً بهذه البساطة والبطولة. فهي تنطوي أيضاً على مواقف مثيرة للجدل، حيث يصبح سلوك الحارس مصدر إحراج أو أزمة لمن يفترض أنه يحميه. ومن أشهر الحوادث في هذا السياق، واقعة منعت فيها المغنية العالمية بيونسيه من زيارة أهرامات الجيزة بسبب سلوك حارسها الشخصي.
ففي عام 2008، استضاف عالم الآثار الشهير الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، بيونسيه في جولة بالأهرامات. يروي حواس: “كانت بيونسيه سيدة لطيفة جداً، لكن حارسها الشخصي كان سيئاً جداً. كان معي مصورة لتوثيق الجولة، فاختطف الحارس الكاميرا من يدها! لم أتحمل ذلك! طلبت منها ومن حارسها المغادرة، ومنعتها من زيارة الأهرامات” .
هذه الحادثة تُظهر كيف يمكن للحارس الشخصي، من خلال تصرفه المتعجرف، أن يتحول من “حامٍ” إلى “مضرٍّ” بموكله، ويعرضه للإحراج أو حتى الحرمان من فرص مهمة. “الخطر” هنا لم يكن جسدياً، بل كان “خطراً دبلوماسياً واجتماعياً” نابعاً من سوء تقدير الحارس لموقفه.
البودي جارد كأداة نفوذ وصراع سياسي
في مصر الحديثة، تجاوز دور البودي جارد مجرد الحماية الجسدية، ليصبح أداة نفوذ وصراع سياسي. ففي فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، كان خيرت الشاطر، النائب الثاني للمرشد العام للجماعة، يمتلك فريقاً من الحراس الشخصيين المسلحين. وفي يوليو 2013، اعتقلت قوات الأمن 15 من حراس الشاطر بعد اشتباك مسلح، بتهمة حيازة أسلحة نارية بشكل غير قانوني، واستخدامها في إطلاق النار على متظاهرين كانوا يحتجون أمام مقر الجماعة .
هذه الحادثة تبرز جانباً خطيراً آخر: تحول الحراس الشخصيين إلى “ميليشيات خاصة” تابعة لشخصيات نافذة، خارج إطار الدولة، مما يجعلهم خطراً على الأمن العام واستقرار البلاد. إنهم لم يعودوا مجرد حراس، بل أصبحوا جنوداً في صراعات سياسية وطائفية، وأدوات لقمع المعارضين.
في المقابل، ليست شخصيات المعارضة وحدها من تمتلك حراساً خطرين. ففي عام 2012، أُصيب بائع متجول برصاص طلق ناري أثناء اشتباك مسلح بين حراس رئيس الوزراء المصري هشام قنديل ومجموعة من “البلطجية” على كوبري 6 أكتوبر . وأظهرت التحقيقات أن حراس قنديل هم من فتحوا النار أولاً على سيارة كانت تقطع موكبه، مما أدى إلى مقتل شخص بريء. وفي حادثة أخرى، قُتل حارس شخصي لمحافظ البنك المركزي المصري هشام رامز في تبادل إطلاق نار مع مسلحين سرقوا سيارته .
حدود المسؤولية: عندما يصبح الحارس هو الجاني
تتجاوز أخطر حالات البودي جارد في مصر كونه مجرد منفذ لأوامر موكله، إلى قيامه بارتكاب جرائم باسم “الحماية”. ومن أبرز الحوادث الحديثة في هذا السياق، واقعة تعرض شقيقين مصريين أمريكيين للضرب والاحتجاز على يد حراس أمن البعثة المصرية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، في أغسطس 2025.
بحسب دعوى قضائية رفعتها العائلة، كان الأخوان ياسين وعلي السمارك (16 و22 عاماً) يتظاهران سلمياً أمام البعثة للمطالبة بالسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معبر رفح. فوجئا بخروج أربعة حراس أمن من البعثة، قاموا بسحبهما إلى داخل المبنى، وضرب ياسين بسلسلة حديدية، وخنقه آخر بالكوفية الفلسطينية التي كان يرتديها حتى كاد يختنق .
صُورت الواقعة بكاميرا الهاتف، وانتشرت على نطاق واسع، مما أثار غضباً عارماً في مصر وفي أوساط الجاليات المصرية بالخارج. تمثل هذه الحادثة تجسيداً صارخاً لـ “خطر” البودي جارد عندما يتجاوز صلاحياته، ويتحول إلى أداة قمع وقسوة بحق مدنيين عزل، حتى ولو كانوا محتجين. إنه خطر ليس فقط على من يحميهم، بل على سمعة الدولة التي يمثلونها، وعلى حقوق الإنسان الأساسية.
خلاصة: مفهوم “الخطر” في مهنة البودي جارد المصري
بعد هذا الاستعراض التاريخي والواقعي، يمكننا القول إن مفهوم “أخطر بودي جارد في مصر” ليس مفهوماً أحادياً. فهو يتشعب ليشمل عدة معانٍ:
-
الخطر كقدرة على الحماية: وهو النموذج البطولي الذي جسده حارس السفير الإسرائيلي أثناء اغتيال السادات، حيث يكون الحارس مستعداً للتضحية بحياته .
-
الخطر كقوة عمياء: وهو النموذج الذي جسده حارس بيونسيه، الذي أضر بموكلته بسبب تعجرفه وسوء تقديره .
-
الخطر كأداة سياسية: وهو نموذج حراس خيرت الشاطر والحراس المرتبطين بالنظام، الذين تحولوا إلى قوات خاصة خارج نطاق القانون .
-
الخطر كجريمة: وهو النموذج الذي تمثل في اعتداء حراس البعثة المصرية في نيويورك على شقيقين أعزلين، والذين حولوا واجبهم في الحماية إلى أداة للعنف والقمع .
إن مهنة البودي جارد في مصر، كغيرها من المهن التي تتعامل مع السلطة والموارد الحساسة، هي سيف ذو حدين. يمكن أن تكون مصدر فخر وبطولة، كما يمكن أن تتحول إلى أداة خطيرة في يد من لا يدركون حدود مسؤولياتهم. وربما يكون “أخطر بودي جارد” على الإطلاق هو ذلك الذي ينسى أنه مجرد حارس، ويظن نفسه فوق القانون.